د.محمد عسكر يكتب: حين يصبح الكذب أكثر ذكاءً من الحقيقة

لم تعد الحرب النفسية في عصر الذكاء الاصطناعي تشبه صورتها التقليدية التي عرفناها طوال عقود. فقد كان سلاحها في الماضي شائعة تُروى، أو صورة تُفبرك، أو خبراً كاذباً تبثه إذاعة أو صحيفة، ثم تنتظر أجهزة الدعاية أن ينتشر بين الناس. أما اليوم فقد أصبح في الإمكان أن تُنتج الآلة، خلال لحظات، صورة لم تقع، وتسجيل صوتي لشخص لم يقل ما نُسب إليه، وفيديو يبدو حقيقياً إلى درجة يصعب معها على العين المجردة أن تكتشف زيفه، بل ويمكنها أن تصوغ الرواية نفسها بعشرات اللغات والأساليب، وأن تقدمها لكل فئة من الجمهور بالصورة التي تناسب مخاوفها واهتماماتها.
هنا تحديداً تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال الحرب النفسية؛ فهو لا يخترع الكذب من العدم، وإنما يمنحه قوة لم تكن متاحة له من قبل: السرعة، والانتشار، وانخفاض التكلفة، والقدرة على التخصيص. وبذلك تنتقل عملية التضليل من كونها نشاطاً يحتاج إلى أجهزة وإمكانات بشرية كبيرة، إلى نشاط يمكن أن يتم على نطاق واسع وبسرعة مذهلة. ولم يعد السؤال فقط: هل نستطيع أن ننتج خبراً كاذباً؟ وإنما أصبح: كم نسخة مختلفة من هذا الخبر نستطيع أن ننتجها، وكم شخصاً يمكن أن نصل إليه، وكم لغة يمكن أن نتحدث بها معه؟
الأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يهدد إحدى المسلمات التي قامت عليها الحياة العامة الحديثة، وهي أن الصورة أو الصوت أو الوثيقة يمكن أن تكون دليلاً على وقوع الحدث. فقد كان الإنسان يقول في الماضي: “لقد رأيت الصورة بعيني”، أو “سمعت التسجيل بأُذنى”، وكأن الرؤية والسمع يقدمان درجة من اليقين. أما في زمن التزييف العميق، فإن العين والأذن لم تعودا كافيتين وحدهما للحكم على الحقيقة. لقد أصبح ممكناً أن نرى شخصاً لم يفعل شيئاً ونسمعه يقول كلاماً لم يقله، وأن نعتقد أن أمامنا وثيقة أصلية بينما هي في الحقيقة تركيب رقمي شديد الإتقان.
وهذه ليست مشكلة تقنية فحسب، وإنما مشكلة تتعلق ببنية الوعي العام. فالتضليل لا يحتاج دائماً إلى أن يقنع الناس بالكذبة كاملة؛ يكفي أحياناً أن يزرع الشك في نفوسهم تجاه الحقيقة. فإذا انتشر مقطع مزيف ثم كُشف زيفه، قد يظل أثره قائماً في الذاكرة، وقد يقول البعض: ربما كان حقيقياً رغم كل شيء. وإذا أصبحت كل صورة قابلة للإنكار وكل تسجيل قابلاً للقول إنه مزيف، فإننا قد ندخل إلى مرحلة أكثر خطورة من انتشار الأخبار الكاذبة، هي مرحلة فقدان الثقة في الأخبار الصحيحة نفسها.
وهنا تظهر إحدى أخطر أدوات الحرب النفسية الحديثة ألا وهى صناعة “الفوضى المعرفية”. الهدف لم يعد بالضرورة إقناع المواطن برواية واحدة، وإنما إغراقه بعشرات الروايات المتناقضة حتى يفقد القدرة على التمييز بينها. وفي هذه الحالة تصبح الحقيقة ضحية حتى لو لم ينتصر الكذب؛ لأن المواطن الذي لم يعد يعرف ماذا يصدق قد يتوقف في النهاية عن تصديق أي شيء.
ولا يتوقف الخطر عند حدود الرأي العام، وإنما يمتد إلى الأمن القومي. فمن الممكن أن تصبح المعلومات المسربة، أو حتى المعلومات المصطنعة التي تبدو كأنها تسريبات حقيقية، أدوات لإثارة أزمة سياسية أو عسكرية. وقد يكون لمقطع فيديو مزيف يظهر مسؤولاً وهو يتخذ قراراً خطيراً أثر أكبر من سنوات من البيانات الرسمية. وقد تؤدي وثيقة مزورة إلى إشاعة البلبلة داخل مؤسسة، أو إلى التأثير في الأسواق، أو إلى خلق توتر بين دولتين. وفي الحروب والأزمات، حيث تكون سرعة رد الفعل عالية ومساحة التحقق ضيقة، يمكن للمعلومة المزيفة أن تسبق الحقيقة بمراحل.
لكن علينا في الوقت نفسه ألا نبالغ في تصوير الذكاء الاصطناعي وكأنه كائن مستقل قادر على اختراق أسرار الدول وتسريبها من تلقاء نفسه. الخطر الحقيقي ينشأ من اتصال هذه الأنظمة بالبيانات والأجهزة والبشر. فإذا أدخل موظف معلومات سرية إلى نظام غير مؤمن، أو أتيح لنظام ذكاء اصطناعي الوصول إلى قواعد بيانات حساسة دون ضوابط، أو تعرضت المنظومة التي يعمل عليها للاختراق، فإن التكنولوجيا قد تتحول من أداة للإنتاج إلى قناة لتجميع المعلومات وتحليلها وربما كشفها بصورة أكثر خطورة. ولذلك فإن أمن الذكاء الاصطناعي يبدأ قبل النموذج نفسه؛ يبدأ من حماية البيانات، وتحديد الصلاحيات، ومراقبة الوصول، ومعرفة ما الذي يدخل إلى النظام وما الذي يخرج منه.
وقد يبدو السؤال مشروعاً: إذا كانت المخاطر بهذه الخطورة، فلماذا لا يوجد قانون دولي شامل يمنع التزييف ويعاقب من يصنعه وينشره؟ الحقيقة أن المسألة ليست بهذا القدر من البساطة. فالعالم لا يخلو من القوانين أو المبادرات التنظيمية، لكن المشكلة أن القواعد ما زالت متفرقة، وأن التكنولوجيا تتطور بسرعة أكبر من سرعة التوافق السياسي والقانوني بين الدول. كما أن هناك فرقاً بين الخطأ، والرأي، والسخرية، والدعاية، والتضليل المتعمد، والاحتيال، والتشهير، والتحريض على العنف. ومن الخطير أن نضعها كلها في سلة واحدة تحت عنوان “الأخبار الكاذبة”، لأن القانون الذي يمنع الكذب قد يتحول بسهولة إلى أداة لمنع الرأي المخالف.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الرقابة والفوضى، وإنما بين نموذجين: نموذج يجعل المواطن مضطراً إلى تصديق ما تقوله له سلطة ما باعتباره الحقيقة، ونموذج آخر يمنحه الأدوات التي تمكنه من التحقق بنفسه من مصدر المعلومة وأصلها وتاريخها وسياقها.
ومن هنا أرى أن الحل لا ينبغي أن يكون البحث عن وزارة عالمية للحقيقة، فالحقيقة ليست ملكاً لحكومة أو شركة أو منصة إلكترونية. المطلوب هو بناء منظومة دولية تجعل التحقق من الحقيقة ممكناً. ومن أهم عناصر هذه المنظومة وضع معايير عالمية لإثبات مصدر المحتوى الرقمي، بحيث يمكن معرفة من أنشأ الصورة أو الفيديو، ومتى أُنشئ، وما إذا كان قد تعرض للتعديل، مع وجود علامات تقنية قابلة للقراءة آلياً، إلى جانب علامات واضحة يفهمها المواطن العادي.
وهذا الاتجاه بدأ بالفعل في بعض التجارب التشريعية. ففي الاتحاد الأوروبي، دخلت في أغسطس 2026 قواعد الشفافية الواردة في المادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي حيز التطبيق، وتتضمن التزامات تتعلق بوضع علامات قابلة للكشف على المحتوى المولّد أو المعدل بالذكاء الاصطناعي، وإبلاغ الجمهور عند التعرض للتزييف العميق وبعض المحتويات التي يتم توليدها آلياً في مسائل ذات اهتمام عام. وهذه خطوة مهمة، لكنها تظل خطوة إقليمية وليست بديلاً عن إطار دولي.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في إنشاء آليات مستقلة وسريعة للتحقق من المحتوى أثناء الأزمات، بحيث لا ننتظر أياماً حتى يتم كشف الفيديو المزيف بعد أن يكون قد وصل إلى ملايين الأشخاص. وينبغي أن تشارك في هذه المنظومة المؤسسات الصحفية، والجامعات، وشركات التكنولوجيا، وخبراء الأمن السيبراني، ومنظمات المجتمع المدني، على أن تكون هناك ضمانات حقيقية للاستقلال والشفافية. وهذا يتفق مع الاتجاه الذي تؤكد عليه اليونسكو في دعوتها إلى حوكمة متعددة الأطراف للمنصات الرقمية تجمع الدول والشركات والإعلام والأكاديميين والمجتمع المدني، مع حماية حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.
أما الخطوة الثالثة، وربما الأهم، فهي بناء مواطن قادر على الشك المنهجي لا على الشك المرضي. يجب أن يتعلم أبناؤنا منذ المراحل الأولى فى المدرسة أن الصورة ليست دليلاً مطلقاً، وأن الصوت يمكن تقليده، وأن الوثيقة يمكن اصطناعها، وأن انتشار الخبر لا يعني صحته. المطلوب ليس أن يتحول كل مواطن إلى خبير تقني، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة الإعلامية التي تجعله يسأل: من المصدر؟ ما الدليل؟ هل توجد مصادر مستقلة؟ هل نُشر الخبر في مؤسسات موثوقة؟ وهل يمكن التحقق من أصل الصورة أو التسجيل؟ لأن محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية يمثل عنصراً أساسياً في مواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على البيئة المعلوماتية.
وفي تقديري، فإن مسؤولية المؤسسات الإعلامية هنا ستكون أكبر من أي وقت مضى. فالصحافة الجادة لن تستطيع مستقبلاً أن تنافس منصات التواصل في سرعة النشر، لكنها تستطيع أن تنافسها في شيء أهم وهو الثقة. وسيصبح السؤال عن مصدر الصورة وسياقها وأصالتها جزءاً من العمل الصحفي اليومي، تماماً كما أصبحت مراجعة المصادر والتحقق من الأخبار من أساسيات المهنة.
وفي الجانب الأمني، ينبغي أن تتعامل الدول مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومي، لا باعتباره مجرد تقنية اقتصادية جديدة. وهذا يتطلب سياسات واضحة تمنع إدخال البيانات المصنفة أو الحساسة في أنظمة غير مصرح بها، وتفرض مستويات مختلفة من الحماية بحسب حساسية المعلومات، وتضع قواعد دقيقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية، مع تطوير قدرات وطنية على اكتشاف التزييف والتحقق من المحتوى الرقمي.
وربما يكون من المفيد أن تعمل الدول العربية، في إطار عربي مشترك، على صياغة ميثاق للثقة الرقمية يضع مبادئ موحدة للتعامل مع المحتوى المصطنع والتزييف العميق وانتحال الهوية وتسريب البيانات، وأن تسعى لاحقاً إلى طرح هذه المبادئ في المحافل الدولية. فالدول العربية ليست بمنأى عن هذه الحرب الجديدة، بل إن البيئة اللغوية والثقافية تجعل امتلاك أدوات عربية للتحقق من المحتوى أكثر أهمية، لأن كثيراً من أدوات الكشف والتوثيق العالمية لا تراعي بالقدر الكافي خصائص اللغة العربية وسياقاتها المختلفة.
إن معركة المستقبل لن تكون فقط بين جيش وجيش، ولا بين دولة ودولة، وإنما ستكون أيضاً معركة على عقل ووعى الإنسان وقدرته على معرفة ما حدث بالفعل. وإذا كانت الحرب التقليدية تسعى إلى السيطرة على الأرض، فإن حرب المعلومات تسعى إلى السيطرة على الرواية؛ ومن يسيطر على الرواية يستطيع في أحيان كثيرة أن يؤثر في تفسير الحدث قبل أن تتاح للناس فرصة فهمه.
لقد منحنا الذكاء الاصطناعي قدرة غير مسبوقة على صناعة الصور والكلمات والأصوات، لكن التحدي الحضاري الحقيقي هو أن نمنح الإنسان قدرة مماثلة على التحقق والتمييز. فالمستقبل لن يكون آمناً بمجرد أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً؛ بل عندما يصبح المجتمع أكثر وعياً بحدود ما تراه عيناه وتسمعه أذناه. وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع كذبة تبدو كأنها حقيقة، فإن أعظم استثمار في الأمن القومي قد لا يكون في تطوير آلة أكثر قدرة على إنتاج المحتوى، وإنما في بناء إنسان أكثر قدرة على اكتشاف الحقيقة.





