ياسر حمدي يكتب: هل ستقضي مبادرات خفض الأسعار على هذا الغلاء؟

قبل أيام أطلقت وزارة التموين ما قالت إنه المرحلة الأولى من مبادرة جديدة لتخفيض الأسعار، بطرح 12 سلعة أساسية بأسعار مخفضة، على أن يتم التوسع تدريجيًا بإضافة 18 سلعة أخرى خلال شهر سبتمبر الجاري، ليصل إجمالي السلع المطروحة ضمن المبادرة إلى 30 سلعة.
المبادرة، وطبقًا لما أعلن، مستمرة لمدة 6 أشهر، اعتبارًا من سبتمبر 2026 وحتى مارس 2027، بما يشمل شهر رمضان المبارك، وتتضمن بيع السكر بـ25 جنيهًا، والأرز بـ25، والمكرونة بـ9 جنيهات، والزيت بـ50 جنيهًا، إلى جانب تخفيضات تشمل سلعًا أخرى قد تصل إلى 70%.
جهد مشكور للوزارة لا أحد يعترض عليه، خاصة في ظل انفلات الأسعار من عقالها في العديد من المحال التجارية، الكبير منها والصغير، ما يحمل الأسر المصرية العديد من الأعباء خصوصًا مع عودة المدارس والجامعات إلى فتح أبوابها من جديد.
لكن من السهل أن تقول للمواطن: «خفضنا الأسعار»، إلا أن الصعب هو جعله يصدق أن السعر الذي انخفض اليوم لن يعود إلى الارتفاع غدًا، كما أن السؤال الذي يهمنا ليس: كم أصبح سعر السكر أو الأرز أو الزيت؟ بل لماذا يحتاج السعر إلى مبادرة كي ينخفض؟!
هذه ليست محاولة لتقليل أهمية ما تفعله الدولة، ولا تجاهلًا لما يمثله انخفاض أي جنيه في فاتورة أسرة تكافح لتدبير احتياجاتها المعيشية في ظل الدخول التي تتبخر في الأيام الأولى من كل شهر ولا تصمد في بعض الحالات إلى منتصفه، فبلا شك المواطن يريد السعر الأقل، ويريده اليوم قبل الغد.
غير أن المواطن نفسه لا يريد أن يظل أسيرًا لموسم المبادرات، بل يريد أن يدخل المحل فيجد السعر مناسبًا، لا أن يبحث عن لافتة المبادرة.. يريد المواطن أن يعرف أن انخفاض السعر ليس ضيفًا عابرًا سيغادر بعد ستة أشهر، وهنا يصبح الأمر أكبر من السكر والأرز والزيت.
المعركة الحقيقية ليست بين الحكومة والتاجر، وإنما بين السعر العادل والسوق الذي يستطيع أن يبتعد عنه في تقلبات حادة، وغير مبررة في كثير من الأحيان، فالمعركة مع الغلاء لا تحسم بلافتة معلقة على منفذ بيع، ولا تحسم أيضًا بتمني أن يشعر المواطن بانخفاض الأسعار، وتحسم عندما يصبح ارتفاع السعر نفسه شيئًا له سبب يمكن اكتشافه، ومسار يمكن تتبعه، ومسئول يمكن سؤاله.
لا نريد أن تنتهي الأشهر الستة، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه، لأننا عندها نكون قد خفضنا أسعار بعض السلع لبعض الوقت، أما إذا انتهت المبادرة ووجدنا سوقًا أكثر منافسة، وقدرة أكبر على منع الزيادة غير المبررة، فسنكون قد فعلنا شيئًا أهم بكثير من مبادرات تهدئة الأسواق، وتطييب خاطر المستهلكين، خصوصًا محدودي الدخل، ممن حذف بعضهم من بطاقات الدعم التموينية.
السوق يحتاج إلى أدوات رقابية جادة تتفاعل مع ما يحدث على الأرض على مدار اليوم، ليس فقط لضبط المخالف، وإنما لبناء صورة حقيقية لحركة الأسعار ومعرفة أين ترتفع ولماذا جاء الارتفاع؟
السعر لا يولد على رف المتجر فجأة، فقبله منتج، ونقل، وتخزين، وتاجر جملة، وتاجر تجزئة، وهوامش ربح، وحلقات وسيطة، وكلما طال الطريق بين المنتج والمستهلك، ازدادت فرص أن يضيف كل طرف نسبة إلى السعر.
نريد تطبيقًا لما قاله، شريف فاروق، وزير التموين، عند إطلاق المبادرة من أن المواطن هو المستهدف الأول بالتخفيضات، وأن الوزارة لا تتعامل مع ضبط الأسواق باعتباره إجراء مؤقتًا، وإنما باعتباره منظومة عمل مستمرة تستجيب بصورة سريعة لمؤشرات السوق واحتياجات المواطنين.
المواطن، كما قلنا لا يريد أن يعيش على «مبادرة» كلما ارتفعت الأسعار، تأتي وتذهب مثل المواسم المناخية، فنجاح مبادرة خفض الأسعار لن يقاس بعدد المنافذ التي تحمل لافتتها، وإنما بقدرتها على اختصار الطريق بين السلعة والمواطن، وزيادة المنافسة، ومنع اختفاء التخفيض عند أول محطة.
الارتفاع المتوالي لأسعار السلع يحتاج إلى جهد جبار للجم تأثيراته، يتوازى مع مبادرة تخفيض الأسعار، وأن تنظر الحكومة والتجار إلى المواطنين بعين الرحمة لا بنظارة الربح والخسارة حتى نخفف المعاناة التي تطحن الأسر المصرية، لأن الراحمين يرحمهم الله.. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.





