سلسلة «مئة عام من الأحزاب»| أميرة العادلي تكتب لـ«الحرية»: التعددية الشكلية (3)

عام 1976، أعلن الرئيس السادات عن «المنابر الثلاثة» داخل الاتحاد الاشتراكي — يميناً ووسطاً ويساراً، وفي 1977، صدر قانون الأحزاب السياسية، رسميا عادت التعددية إلى مصر، لكن في الواقع كان المشهد أعقد بكثير.
بين عامَي 1976 و2011، عاشت مصر مرحلة يصفها المحللون بـ«التعددية المُدارة»: أحزاب موجودة، انتخابات تُجرى، برلمان ينعقد — لكن هوامش المنافسة الحقيقية كانت ضيقة، وهيمنة الحزب الحاكم على المشهد كانت واضحة.
الحزب الحاكم وسطوة الدولة
الحزب الوطني الديمقراطي الذي أسسه السادات عام 1978 وتولت قيادته حتى عام 2011 لم يكن حزباً بالمعنى المتعارف عليه — كان أقرب إلى امتداد للجهاز البيروقراطي للدولة.
ومع الوقت، تداخلت حدود الحزب والدولة حتى غدا التمييز بينهما شبه مستحيل في السنوات الأخيرة من عهد مبارك.
أما أحزاب المعارضة، فقد كانت موجودة — لكن وجودها جاء في إطار محدود، لجنة شؤون الأحزاب كانت تملك صلاحيات واسعة لمنح التراخيص أو رفضها، وحين اعتُبر حزب العمل الاشتراكي مثيراً للإشكال عام 2000، جُمِّد نشاطه. الرسالة كانت واضحة: التعددية مسموح بها في الحدود المقبولة.
أحزاب بلا قواعد
أحد أعمق إخفاقات هذه المرحلة أن معظم أحزاب المعارضة لم تبنِ قواعد جماهيرية حقيقية، الوفد الجديد احتفظ بثقل رمزي مستمد من إرث الوفد التاريخي، لكن حضوره في الأحياء والقرى كان محدوداً، حزب التجمع التقدمي كان له دور فكري مهم لكن قاعدته ضيقة. أغلب الأحزاب كانت “نخبوية” — تعيش في المدن الكبرى وتتحدث لقطاع محدود من المجتمع.
في المقابل، نجحت الإخوان المسلمون — رغم حظرها من التأسيس الرسمي — في بناء حضور شعبي واسع من خلال شبكات الخدمات والعمل الاجتماعي، وهذا يكشف حقيقة مهمة: الناس لا ينضمون للأحزاب لأنها موجودة، بل لأنها تقدم شيئاً لحياتهم.
استثناءات تستحق الذكر
رغم المشهد العام، كانت هناك استثناءات مهمة، حمدين صباحي بقيادة حزب الكرامة الناصري بنى حضوراً شعبياً حقيقياً وكان له دور في الحركة الاحتجاجية.
أيمن نور وحزب الغد 2004 قدم تحدياً جدياً في انتخابات 2005 — وحصل على المركز الثاني وفق النتائج الرسمية، لتأتي قضيته اللاحقة ومحاكمته دليلاً على كلفة التحدي الحقيقي، وحزب الجبهة الديمقراطية بقيادة الدكتور أسامة الغزالي حرب عام (2007)، وكانت هناك أيضا حركات جديدة خارج الإطار الحزبي الرسمي: حركة كفاية (2004) التي طالبت بوقف التوريث ورفض التمديد، وحركة 6 أبريل (2008) التي نشأت من رحم دعم إضراب عمال المحلة، والجمعية الوطنية للتغيير (2010) بقيادة البرادعي، وغيرها من الحركات والتنظيمات الأخرى، هذه الحركات لم تكن أحزابا، لكنها كانت تعبيراً عن طاقة سياسية لا تجد قناةً مؤسسية مناسبة لها.
المشهد عشية الثورة
بحلول عام 2010، كان الاحتقان في ذروته: انتخابات برلمانية أسفرت عن هيمنة الحزب الوطني بنسبة تجاوزت التسعين بالمئة، وتراجع اقتصادي وفجوة طبقية متسعة، وقضايا فساد موثّقة، ومخاوف حقيقية من التوريث السياسي.
حين اندلعت الثورة التونسية في يناير 2011 وأسقطت بن علي، فتحت الباب على ما لم يتوقعه أحد.
المقال القادم: يناير ويونيو — عشر سنوات غيرت خريطة الأحزاب



