«سوق العقار» في مواجهة تحديات التنظيم.. إصلاحات مرتقبة لإعادة ترتيب منظومة التطوير

تفتح توجيهات القيادة السياسية والحكومة بحصر المشروعات العقارية المتعثرة وتحديد مسؤولية المطورين عن حالات التأخير وعدم الالتزام، الباب أمام إعادة ترتيب منظومة التطوير العقاري في مصر، ليس فقط من خلال التعامل مع المشروعات المتأخرة، وإنما عبر وضع إطار أكثر شمولًا لتنظيم الصناعة وضبط العلاقة بين المطور والمشتري والدولة والوسيط العقاري.
ويأتي ملف اتحاد المطورين في مقدمة الملفات المطروحة باعتباره أحد الأدوات المقترحة لتنظيم القطاع وتصنيف الشركات وفقًا لملاءتها المالية ومستويات التزامها وقدرتها على التنفيذ، بالتوازي مع مطالب بإنشاء آليات رقمية لحصر المشروعات ومتابعة الموقف التنفيذي لها، ووضع قواعد أكثر وضوحًا لحماية حقوق المشترين، فضلًا عن الدعوة إلى وجود جهة تنظيمية متخصصة ونظام قضائي أسرع للفصل في النزاعات العقارية.
رضا المنشاوي
رضا المنشاوي، المستشار القانوني والسكرتير العام بالجمعية المصرية للتسويق العقاري، أكد أن توجيه رئيس الوزراء بحصر المشروعات المتعثرة وتحديد مسؤولية المطور عن كل حالة يأتي تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية للتصدي للتأخيرات وعدم التزام المطورين بمواعيد التسليم وبنود العقد، موضحًا أن عملية التقييم يجب أن تراعي تعدد جهات الولاية على الأراضي والمشروعات العقارية.
وقال المنشاوي في تصريح خاص لـ«الحرية»، إن هناك مشروعات تخضع لولاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وأخرى تخضع لهيئة التنمية السياحية، إلى جانب مشروعات غير خاضعة لهذه الجهات، مشيرًا إلى أن التطوير العقاري لا يرتبط فقط بالأراضي الحكومية التي تذهب بشكل مباشر إلى المطور، وإنما توجد أراضٍ في أحياء مثل مصر الجديدة ومدينة نصر ومدن بالغربية والإسماعيلية والإسكندرية، يعود تاريخها إلى 70 أو 100 عام.
وأوضح السكرتير العام بالجمعية المصرية للتسويق العقاري، أن التقييم يجب أن يتم وفقًا للجهة صاحبة الولاية، مؤكدًا أن أي شخص حصل على ترخيص أو تقدم للحصول على ترخيص يجب أن يكون معلومًا موقفه من حيث حجم المبيعات ومدى الالتزام بالتسليم.
وأشار رضا إلى أن المشكلة الأكبر، تحديدًا في المشروعات الخاضعة لهيئة المجتمعات العمرانية، تتمثل في عدم وجود إخطار كافٍ بالمبيعات التي تتم بين المطور والعملاء، موضحًا أن المطور قد يبيع 100 وحدة لـ100 عميل دون أن يتم إخطار وزارة الإسكان أو الهيئة بأسماء هؤلاء العملاء أو إتاحة نسخة من العقود المبرمة بينهم وبين المطور.
وأضاف أن ذلك يجعل تقييم التأخيرات أكثر صعوبة، إلا في الحالات التي يتقدم فيها العملاء بشكاوى، مؤكدًا ضرورة إنشاء منصة رسمية لاستقبال شكاوى التطوير العقاري، سواء داخل نطاق ولاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أو في المشروعات الخاضعة لولاية المحليات.
وطالب رضا، بوجود وحدة متخصصة للتحري أو تقصي الحقائق عن المطورين، بحيث يتم فحص موقف أي مطور يتم تخصيص أرض له، مع ضرورة اشتراط وجود نسخة من العقد المبرم مع العميل تكون معتمدة من الهيئة، للتأكد من خلوها من الشروط التعسفية.
وأوضح رضا أن العميل قد يجد نفسه في النهاية أمام التزامات مرتبطة بشيكات رغم عدم حصوله على الوحدة في الموعد المتفق عليه، مؤكدًا أن الشيك يتمتع بحماية جنائية باعتباره أداة وفاء بمجرد الاطلاع، وهو ما يضع العميل أمام مشكلة قانونية حال عدم السداد.
رضا المنشاوي: لجنة قضائية متخصصة لحسم مصير المشروعات المتعثرة
واقترح المستشار القانوني والسكرتير العام بالجمعية المصرية للتسويق العقاري، إنشاء «لجنة قضائية للمشروعات المتعثرة» تتولى دراسة أوضاع المشروعات وتحديد مصيرها، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأرض معرضة للسحب.
وشدد رضا على أن سحب الأرض من المطور المتعثر لا يجب أن يكون منفصلًا عن مصير أموال العملاء الذين سددوا ملايين الجنيهات في هذه المشروعات، مطالبًا بأن تتولى اللجنة المقترحة إدارة المشروعات المتعثرة، مع إمكانية تطبيق نظام حساب الضمان «Escrow Account» لحماية أموال العملاء.
وطالب المنشاوي، كذلك بتحديد مصير الشيكات الموجودة لدى المطورين وضمان عدم تعرض العملاء لأضرار نتيجة تعثر المشروع، مشددًا على ضرورة إجراء تعديلات تشريعية في القانون المدني بما يوفر حماية أكبر لحقوق المتعاملين في القطاع العقاري.
محاكم متخصصة للنزاعات العقارية
كما دعا المستشار القانوني والسكرتير العام بالجمعية المصرية للتسويق العقاري إلى دراسة إنشاء محاكم متخصصة للنزاعات العقارية على غرار المحكمة الاقتصادية، بحيث تضم هيئات وخبرات متخصصة في المنازعات العقارية وتكون قادرة على سرعة الفصل في القضايا، مشيرًا إلى وجود عملاء اشتروا وحدات منذ 9 أو 10 سنوات ولم يحصلوا عليها حتى الآن، ومن غير المقبول أن ينتظر العميل سنوات بسبب التأخير ثم يدخل في نزاع قضائي يستغرق سنوات أخرى، موضحا أن إنشاء كيان جديد لن يضيف الكثير إذا كان مجرد اتحاد مهني، إلا إذا كان سيضع قواعد واضحة للعمل في السوق، ويحدد شكل ترخيص المطور وآليات محاسبته وقواعد تعامله مع الدولة.
وأشار المنشاوي إلى ضرورة إنشاء جهة تنظيمية حقيقية للسوق العقاري على غرار «ريرا» الموجودة في دبي، بحيث تنظم العلاقة بين أطراف السوق المختلفة، وفي مقدمتها العميل باعتباره الطرف الأول، ثم المطور والدولة والوسيط العقاري.
وأكد رضا، أن التنظيم يجب أن يمتد كذلك إلى الوسطاء ومنصات التسويق والإعلانات العقارية، سواء إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي أو الصحف أو التلفزيون أو الإعلانات الخارجية، مشددًا على أن أي مشروع يتم عرضه على الجمهور يجب أن يكون «Verified» وحاصلًا على الموافقات اللازمة.
وأوضح المستشار القانوني والسكرتير العام بالجمعية المصرية للتسويق العقاري أنه لا يجب السماح بوضع إعلان خارجي عن مشروع في الشارع دون الحصول على التراخيص المطلوبة، كما لا ينبغي السماح بالمشاركة في المعارض العقارية بمشروعات لم تحصل على القرارات الوزارية اللازمة، مؤكدًا أن تنظيم عملية التسويق والإعلان جزء أساسي من حماية المشتري وضبط السوق.
الدكتور عبدالرحمن خليل
عبدالرحمن خليل: اتحاد المطورين فرصة لتنظيم القطاع.. ومنصة رقمية لتصنيف الشركات
وأكد الدكتور عبدالرحمن خليل، مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، أن ملف اتحاد المطورين يمثل فرصة مهمة لتحريك منظومة تنظيم السوق العقاري، لكنه لا يجب أن يقتصر على التعامل مع المشروعات المتعثرة أو المتأخرة، وإنما يجب أن يكون جزءًا من إطار متكامل لتنظيم قطاع التطوير العقاري.
وقال خليل في تصريح خاص لـ«الحرية»، إن اتحاد المطورين مطلب قديم، وتجددت أهمية تفعيله في ظل التوجيهات ودعم القيادة السياسية، معتبرًا أن تحريك هذا الملف يمثل مصلحة للسوق بالكامل، وليس فقط للمشروعات المتعثرة.
وأوضح مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال أن اتحاد المطورين يجب أن يكون معنيًا بتنظيم القطاع وضبطه وتصنيف أحد أهم عناصر المعادلة، وهو المطور العقاري، مشيرًا إلى صعوبة التعامل مع المطورين بصورة دقيقة في ظل عدم وجود جهة أو كيان يضم المطورين ويصنفهم وفقًا لمستويات الالتزام والملاءة المالية والخبرة وأداء المشروعات.
وأضاف عبدالرحمن، أن توجيهات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بشأن الإسراع في ملف اتحاد المطورين تمثل فرصة لتفعيل ملف قائم بالفعل، ووضع القانون في صورته النهائية تمهيدًا لعرضه على مجلس النواب والانتقال إلى الإطار التنفيذي.
وفيما يتعلق بحصر المشروعات المتعثرة وتحديد مسؤولية المطور في كل حالة، أكد خليل أن هذه الخطوة تمثل بداية حقيقية للمحاسبة وليست مجرد تصريحات، موضحًا أن بعض التصريحات قد لا يكون لها أثر مباشر على أرض الواقع، بينما يمثل الحصر إجراءً تنفيذيًا مهمًا يجب البناء عليه.
الملف يحتاج إلى قدر كبير من الرقمنة
وأشار مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، إلى أن الملف يحتاج في الوقت نفسه إلى قدر كبير من الرقمنة والتحول الرقمي، لأن عملية الحصر ليست سهلة وتحتاج إلى قدر من الشفافية والموضوعية، حتى لا يتم تحديد المشروعات المتعثرة بناءً فقط على ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح خليل، أن وجود عدد من العملاء الذين يتحدثون عن مشكلة في أحد المشروعات لا يعني بالضرورة أن هذا المشروع هو الأكثر تعثرًا، فقد تكون هناك مشروعات أخرى تعاني من مشكلات أكبر، لكن لم يتم تسليط الضوء عليها أو لم يتحدث عنها العملاء عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأكد عبدالرحمن، ضرورة تسجيل عملية الحصر وموقف كل مشروع على منصة أو نظام رقمي واضح، بحيث يتم تحديد الموقف التنفيذي لكل مشروع، مشيرًا إلى وجود أكثر من صورة لعدم الالتزام.
وأوضح خليل، أن عدم الالتزام لا يقتصر على التأخر في مواعيد التسليم، وإنما يشمل أيضًا عدم الالتزام بالمواصفات المتفق عليها مع العميل، فإذا وعد المطور العميل بتصميم معين أو واجهة معينة أو شكل محدد للمشروع أو مستوى معين من أعمال اللاند سكيب، ثم نفذ شيئًا مختلفًا أو قلل من المواصفات، فإن ذلك يعد أيضًا صورة من صور عدم الالتزام.
وأضاف مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، أن مخالفة أي بند من البنود التي تم الاتفاق عليها في العقد المبرم مع العميل تدخل كذلك ضمن حالات عدم الالتزام، مؤكدًا أن وضع هذه المعايير داخل منظومة متكاملة لن يكون عمليًا إذا تم الاعتماد على العمل اليدوي فقط، وإنما يجب أن تكون هناك منظومة آلية تعتمد على التكنولوجيا.
وأشار خليل، إلى أن التكنولوجيا العقارية أصبحت تمتلك أدوات عديدة يمكن استخدامها في هذا الملف، مؤكدًا إمكانية الاستعانة بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والكوادر والجهات التابعة لها لتطوير نظام رقمي متكامل لحصر المشروعات وتصنيف المطورين.
واقترح عبدالرحمن، إنشاء منصة تضم جميع المطورين وتوضح مستوى التزام كل مطور، بحيث تعمل كمؤشر واضح يمكن من خلاله معرفة موقف كل شركة، على غرار مؤشرات البورصة، بحيث يظهر المطور صاحب الأداء الجيد في مؤشر إيجابي، بينما يظهر المطور الذي يعاني من ضعف الالتزام أو تأخر في تنفيذ وتسليم مشروعاته في مؤشر سلبي.
وأكد خليل أن أهمية هذه المنصة لا يجب أن تتوقف عند عملية الحصر الحالية، وإنما يمكن استمرار استخدامها مستقبلًا، لتصبح واحدة من أدوات تنظيم السوق، بل ويمكن أن تمثل إحدى الأدوات المهمة في إطار تفعيل اتحاد المطورين.
وأشار مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال إلى أهمية ربط ملف تنظيم السوق بعملية طرح الأراضي الجديدة، موضحًا أن التوجيهات الحالية ستساعد على وضع معايير واضحة عند تخصيص أراضٍ جديدة للمطورين.
وقال خليل، إنه إذا كان المطور قد حصل على أراضٍ في السابق، فيجب قبل منحه أراضي جديدة تقييم مستوى التزامه في المشروعات السابقة، مؤكدًا أنه لا يجب أن يحصل مطور على أراضٍ جديدة بينما يمتلك أراضي حصل عليها منذ سنوات ولم يستغلها أو لم يلتزم بتنفيذ المشروعات الخاصة بها.
وأوضح عبدالرحمن، أن تقييم موقف المطور في الأراضي والمشروعات السابقة يجب أن يكون جزءًا من معايير التعامل معه مستقبلًا، بما يضمن توجيه الأراضي إلى المطورين القادرين على التنفيذ والالتزام، ويسهم في رفع كفاءة السوق العقاري وحماية مصالح المواطنين.
اقرا ايضا: مصر تعلن حصر المشروعات العقارية المتعثرة وقياس نسب التأخير خلال أكتوبر




