تأهب في الناتو ومخاوف من تعبئة واسعة.. أوروبا تستعد لاحتمالات تصعيد روسي بعد الانتخابات

تترقب أوروبا بقلق انتهاء الانتخابات البرلمانية الروسية، وسط تقديرات غربية بأن الكرملين قد يمضي، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، في خطوات جديدة لتوسيع الحرب في أوكرانيا وتعزيز أنشطته الأمنية والهجينة ضد دول أوروبية.
وتشير تقديرات استخباراتية غربية، بحسب تقارير إعلامية، إلى أن روسيا قد تكون بصدد تهيئة الظروف أمام موجة جديدة من التجنيد العسكري، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من عمليات إلكترونية وأعمال تخريب واستخدام للطائرات المسيّرة تستهدف دولًا أوروبية دون الوصول إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة.
وتُعد الانتخابات البرلمانية الحالية الأولى منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022، فيما يُتوقع أن تحافظ حزب «روسيا الموحدة» الحاكم على هيمنته على مجلس الدوما المؤلف من 450 مقعدًا.
مخاوف من تعبئة جديدة
ويأتي احتمال إطلاق موجة تجنيد جديدة في مقدمة المخاوف الغربية. ووفق تقارير إعلامية بريطانية، رصدت أجهزة استخبارات غربية استعدادات إدارية يمكن أن تتيح للكرملين زيادة أعداد المجندين سريعًا إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد قال الشهر الماضي إن أجهزة الاستخبارات الأوكرانية تقدر أن موسكو تستعد لتجنيد نحو 300 ألف شخص إضافي عقب الانتخابات. كما تحدثت أجهزة الاستخبارات الأوكرانية عن سيناريو يتضمن تجنيد 300 ألف شخص خلال العام الجاري، ومثلهم في عام 2027.
في المقابل، نفت موسكو وجود قرار بشأن إطلاق موجة تجنيد جديدة، فيما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الوضع الحالي لا يستدعي تعبئة إضافية.
وتشير تقديرات غربية أيضًا إلى أن زيادة أعداد القوات الروسية قد لا تقتصر على جبهات القتال في أوكرانيا، وإنما يمكن أن تُستخدم لتعزيز الانتشار العسكري الروسي على الحدود الغربية، في مواجهة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ممر سوفالكي في صدارة المخاوف
ويمتد القلق الأوروبي إلى ممر «سوفالكي» الاستراتيجي، وهو شريط حدودي يقع بين بولندا وليتوانيا، ويفصل بين بيلاروسيا ومنطقة كالينينغراد الروسية، ويُعد حلقة الوصل البرية الوحيدة بين دول البلطيق وبقية أراضي حلف الناتو.
وتزامنت المخاوف مع إجراء بيلاروسيا تدريبات عسكرية استمرت أربعة أيام بالقرب من الحدود مع بولندا وليتوانيا، بمشاركة قوات مدرعة ودبابات، وتضمنت تدريبات على حماية الحدود والتعامل مع الطائرات المسيّرة.
ولم تُعلن معلومات تفيد بوجود قرار روسي أو بيلاروسي للسيطرة على الممر، إلا أن سيناريو إغلاقه بات محل نقاش علني في الأوساط السياسية والعسكرية الغربية.
وفي السياق ذاته، شدد الناتو إجراءات الاستعداد المدني لدى الدول الأعضاء، داعيًا إلى تعزيز القدرة على مواجهة الهجمات أو أعمال التخريب التي قد تستهدف البنية التحتية الحيوية، إلى جانب هجمات القرصنة الإلكترونية، وإجلاء السكان وضمان استمرار إمدادات الغذاء والمياه والطاقة ووسائل النقل خلال الأزمات.
وأوضح الحلف أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تعزيز «المرونة» والقدرات الدفاعية للدول الأعضاء، ولا تعني أن المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي باتت على وشك التفعيل.
ماكرون: التهديد الروسي الهجين تصاعد
وفي فرنسا، عقد الرئيس إيمانويل ماكرون اجتماعًا مع قادة الأحزاب السياسية، إلى جانب مسؤولين في أجهزة الاستخبارات والأمن، لبحث التطورات الأمنية والمخاطر المحتملة.
وقال ماكرون إن التهديد، ولا سيما ما وصفه بـ«التهديد الهجين الروسي» ضد أوروبا وفرنسا، شهد تصاعدًا خلال الأسابيع الأخيرة، مشيرًا إلى مخاطر مرتبطة بالطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية.
وأعلن الرئيس الفرنسي توجيه الحكومة لإعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمنشآت الحساسة التابعة للصناعات الدفاعية من هجمات المسيّرات والهجمات السيبرانية.
بولندا ترفع حالة التأهب
وفي بولندا، جرى تفعيل الطيران العسكري مجددًا عقب هجمات روسية على أوكرانيا، حيث أعلنت القوات المسلحة البولندية تنفيذ «إجراءات وقائية» لحماية المجال الجوي للبلاد، بالتزامن مع رفع جاهزية منظومات الدفاع الجوي والرادارات.
وأعلنت وارسو لاحقًا انتهاء الإجراءات، مؤكدة عدم تسجيل أي اختراق للمجال الجوي البولندي.
وجاء ذلك بعد واقعة مماثلة قبل أيام، عندما دفعت بولندا بطائرات مقاتلة وطائرات تابعة لحلفائها خلال موجة واسعة من الهجمات الروسية على أوكرانيا، كما أُغلقت مطارات بصورة مؤقتة.
وحذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال تنفيذ روسيا هجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ ضد دول في الناتو تقدم الدعم لأوكرانيا، ثم تقديم تلك الهجمات باعتبارها «حوادث»، بهدف اختبار رد فعل الحلف ومدى استعداده لتفعيل آليات الدفاع الجماعي، وفق ما نقلته تقارير إعلامية.
دعم أمريكي جديد لأوكرانيا
وفي واشنطن، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية مبدئيًا على صفقة أسلحة محتملة لأوكرانيا بقيمة تصل إلى 2.7 مليار دولار، تركز على تطوير وتعزيز منظومات الدفاع الجوي.
وبحسب الإخطار المقدم إلى الكونغرس، قد تشمل الصفقة صواريخ وأنظمة إطلاق ورادارات مخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة، مع استمرار خضوعها للإجراءات القانونية اللازمة قبل إتمامها.
كما أبدت الولايات المتحدة استعدادها للسماح لألمانيا بنقل عدد من صواريخ «باتريوت» الأمريكية إلى أوكرانيا.
وفي الوقت نفسه، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوات جديدة لزيادة الضغوط الاقتصادية على موسكو، من خلال قانون عقوبات يستهدف قطاعات الطاقة والدفاع الروسية، إضافة إلى ما يُعرف بـ«أسطول الظل» المستخدم في نقل النفط الروسي للالتفاف على العقوبات.
مخاوف أوروبية من تقليص الوجود العسكري الأمريكي
وبالتزامن مع تعزيز الدعم الغربي لأوكرانيا، تتابع العواصم الأوروبية عن كثب مراجعة واشنطن لانتشار قواتها العسكرية في القارة.
وتبحث وزارة الدفاع الأمريكية خيارات عدة لإعادة توزيع القوات الأمريكية في أوروبا، وسط تقارير عن احتمال خفض عدد من القوات المنتشرة هناك، إلا أنه لم يصدر قرار نهائي بهذا الشأن حتى الآن.
وتثير احتمالات تقليص الوجود العسكري الأمريكي تساؤلات في أوروبا بشأن مستقبل القدرات الدفاعية للحلف، خصوصًا في ظل تصاعد ما يُوصف بـ«تهديدات المنطقة الرمادية»، التي تشمل هجمات المسيّرات والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والاختراقات الجوية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن دولًا أوروبية عدة تعزز استعداداتها العسكرية والمدنية تحسبًا لاتساع نطاق التوترات، بينما لا تزال طبيعة الخطوات الروسية المحتملة بعد الانتخابات محل تقدير ومتابعة من أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية.



