هلال عبد الحميد يكتب لـ«الحرية»: طفلة الصف.. ضحية مجتمعٍ متنمر

لا أتصور كيف مرت الساعات على طفلة الصف منذ تسليمها لأسرتها بعد العثور عليها، ولا يمكنني تخيل إحساسها ومخاوفها وهي تُساق إلى مذبحها. إنها أمورٌ لا أستطيع مجرد تخيلها، غير أن جسدي كله ينتفض الآن، ودموعي تسح، ولا أستطيع السيطرة على نفسي ولا على انفعالاتي.
لا أستطيع وصف ألمي تجاه واقعة طفلة الصف، ولا وجع قلبي على ذبح براءتها؛ فهي طفلةٌ غُرِّرَ بها.
لقد جانب الصواب مسؤول صفحة وزارة الداخلية، وسارع بنشر صورة ووقائع ما كان يجب أن تُنشر!
كان يجب عند العثور عليها تحرير محضر، وتسليمها لذويها، وأخذ تعهد عليهم بعدم التعرض لها، بل ومتابعتها عن طريق نجدة الطفل.
لكن نشر صورتها بكل هذه التفاصيل وهي طفلة، كان قاسيًا لدرجةٍ مريرة في مجتمعٍ محافظ، لا يعرف للستر أصولًا.
ماذا حدث؟
الوزارة سارعت واجتهدت – كعادتها – حتى وجدت الطفلة في العجمي وأعلنت ذلك، لكنها نشرت صورتها وتفاصيل حساسة عنها. وقد حصد المنشور – حتى كتابة هذا المقال – 15.5 ألف إعجاب، و735 مشاركة، و3.7 آلاف تعليق ، معظمها كان تنمرًا وسخرية وتهكمًا جارحًا على الطفلة وأسرتها في مجتمعٍ محافظ. وبعد ساعات من إعادتها لأهلها، ذُبحت.
وكان من القانوني أن تتبع صفحة وزارة الداخلية الآتي:
قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته بالقانون رقم 126 لسنة 2008 – المادة 116 مكرر (ب):
«يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، كل من نشر أو أذاع بأحد أجهزة الإعلام أي معلومات أو بيانات أو أي رسوم أو صور تتعلق بهوية الطفل حال عرض أمره على الجهات المعنية بالأطفال المعرضين للخطر…»
والأصل في قضايا الأطفال المعرضين للخطر، كما تنص المادتان 96 و99 من القانون، هو: تحرير محضر، وتسليم الطفل لولي أمره بعد أخذ تعهد بحسن رعايته وعدم تعريضه للخطر، وإحالة الأمر للجنة حماية الطفولة وخط نجدة الطفل 16000.
والطفلة هنا تعرضت للخطر، فقد أغواها أحدهم فتركت بيتها. وكانت سرعة وزارة الداخلية في العثور عليها رائعة ومبهرة، ولكن القائم على صفحة الوزارة على فيسبوك كان مجانبًا للقانون بالنشر.
طفلة الصف الضحية لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، بينما تنص المادة (80) من الدستور على أن: «يعد طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره… وتلتزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة…».
وفي المعاهدات الدولية التي وقعت وصدقت عليها مصر، فأصبحت جزءًا من قانونها المحلي:
• اتفاقية حقوق الطفل – المادة (3): «في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال… يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى». • اتفاقية حقوق الطفل – المادة (16): تكفل حماية خصوصية الطفل وعدم التدخل التعسفي في حياته. • المادة (19): تلزم الدول بحماية الطفل من كافة أشكال العنف والإساءة.
لقد حصد منشور الوزارة حتى كتابة هذا المقال 15.5 ألف إعجاب، و735 إعادة نشر، و3.7 آلاف تعليق، معظمها تنمر وإساءة وسب وقذف للطفلة وأسرتها.
لقد أصبحنا مجتمعًا قاسيًا لا يرحم، ويعتقد أن الفضح والتنمر جزء من الدين وحفاظًا على الشرف والكرامة، ومعظم هؤلاء من مدعي التدين والشرف يستخدمون ألفاظًا وعبارات لا تمت للشرف ولا للدين بصلة، والأديان لا تعرف الفحش من القول. ورسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». فمن أين جاء كل هؤلاء المدافعين عن الشرف والدين والأخلاق بكل هذا الفحش؟!
ما زالت معايير الشرف والعار مختلة. لقد ذبح المتنمرون براءة طفلة الصف بسكاكينهم الباردة التالمة التي لا تعرف معنى الشرف ولا الرحمة ولا براءة الطفولة، قبل أن يتم ذبحها عمليًا.
نحن لا نبرر القتل، فالقاتل مجرم وسيحاسب جنائيًا، لكن المسؤولية المهنية عن حماية خصوصية الطفل تظل قائمة.
أطالب وزارة الداخلية بتعميم كتاب دوري يمنع نشر صور وبيانات الأطفال القُصّر في بيانات التغيب بعد العثور عليهم، والاكتفاء بعبارة: «تم العثور عليها وتسليمها لذويها».
رحم الله طفلة الصف.
رحم الله البراءة.





