نجلاء عبد الجواد تكتب: الكمباوند مقابل الذاكرة.. كيف أعاد النيوفريش تشكيل مصر؟

لم تعد الثروة في مصر خلال العقدين الأخيرين مجرد رقم في حساب بنكي أو مساحة أرض مسجلة باسم صاحبها، بل تحولت إلى هوية كاملة تُعرض وتُستعرض، وتُبنى حولها طبقة اجتماعية جديدة يطلق عليها البعض “النيوفريش” أو حديثو الثراء، وهي تسمية تحمل في طياتها سخرية مبطنة من طبقة لم تكتسب المال عبر تراكم تاريخي أو عمل مؤسسي طويل الأمد، وإنما قفزت إليه فجأة عبر مسارات لا علاقة لها في الغالب بالإنتاج الحقيقي أو الابتكار أو خلق قيمة مضافة للمجتمع، فحين نتتبع أصل هذه الثروات نجد أنفسنا أمام خريطة واضحة المعالم، تبدأ من المقاولات وتجارة الأراضي والوساطة العقارية في المدن الجديدة، مروراً باستيراد وتصدير السلع في ظل غياب رقابة صارمة على الأسعار والجودة، وصولاً إلى العمولات التي يجنيها بعض الوسطاء من صفقات حكومية أو شبه حكومية لا يعرف تفاصيلها إلا القليلون، وهي مسارات ازدهرت بشكل لافت مع موجة التوسع العمراني غير المسبوقة التي شهدتها البلاد، حيث تحولت الصحراء إلى أراضٍ ذهبية بين ليلة وضحاها، ومن كان يملك معلومة أو صلة أو قدرة على الحصول على قطعة أرض بسعر تفضيلي وجد نفسه فجأة يمتلك ثروة تفوق كل ما جناه طوال حياته العملية السابقة.
هذه الطبقة، التي نشأت على هامش اقتصاد ريعي أكثر منه إنتاجي، لم تكتف بجمع المال، بل سعت إلى ترجمته فوراً إلى رموز اجتماعية مرئية يستطيع الجميع رؤيتها والحكم عليها، فامتلاك سيارة فارهة لم يعد وسيلة انتقال بقدر ما أصبح إعلان يومي عن المكانة، والسكن داخل الكمباوندات المغلقة لم يعد بحث عن الأمان أو الهدوء بقدر ما هو انسحاب طوعي من الفضاء العام المصري بكل تنوعه وصخبه وتعقيداته، وكأن هذه الطبقة تقول للمجتمع من حولها إنها لم تعد جزءاً منه، بل صارت فوقه أو خارجه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فبينما كانت الثروة في الأجيال السابقة، ولو كانت متواضعة، ترتبط غالباً بشعور من الانتماء والمسؤولية تجاه الحي أو القرية أو المدينة التي نشأ فيها صاحبها، فإن الثروة الجديدة تنزع نحو العزلة، وتبني أسواراً مادية ورمزية بين من يملك ومن لا يملك، وتحول المدينة من فضاء مشترك إلى جزر منفصلة، بعضها مسور بحراسة خاصة وكاميرات مراقبة، وبعضها الآخر متروك لإهماله وازدحامه وتكدسه.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط طبيعة الاستهلاك المبالغ فيه، بل الأثر البنيوي الذي تتركه على المدينة وعلى الذاكرة الجمعية للمصريين، فالتوسع الهائل في بناء المدن الجديدة والكمباوندات لم يأتِ من فراغ ولم يكن محايداً، بل استنزف موارد هائلة كان يمكن توجيهها نحو ترميم وصيانة الأحياء القديمة التي تحمل في جدرانها وأزقتها طبقات من التاريخ المصري الممتد، فحين تُهجر القاهرة التاريحية أو تُهمل أحياء بأكملها لصالح مشروعات عمرانية جديدة تحمل أسماء أجنبية وتصاميم مستوردة لا علاقة لها بالهوية المعمارية المصرية، فإننا لسنا فقط أمام إعادة توزيع سكاني، بل أمام عملية تدريجية من محو الذاكرة، حيث تفرغ المباني القديمة من سكانها الأصليين لصالح أنشطة تجارية عابرة أو تتحول إلى مخازن أو تُترك للسقوط والانهيار، بينما يذهب الاهتمام والاستثمار نحو واجهات زجاجية لامعة في الصحراء لا تحمل أي ذاكرة ولا أي سياق، وكأن المدينة الجديدة تُبنى بوعي أو بغير وعي كنقيض للمدينة القديمة لا كامتداد لها.
و لقد أنتجت هذه الطبقة نمط استهلاكي فج يتسلل تدريجياً إلى الذوق العام، فحين تصبح الماركات العالمية والمظاهر الباهظة معياراً للنجاح والتقدير الاجتماعي، يتراجع الاهتمام بالقيمة الفعلية للأشياء لصالح قيمتها الرمزية والاستعراضية، وتتحول الحفلات والمناسبات إلى مسارح تنافسية يُقاس فيها النجاح بحجم الإنفاق لا بجودة المضمون أو معناه، وينعكس هذا بشكل مباشر على منظومة التعليم ذاتها، حيث تتضخم فجوة هائلة بين مدارس وجامعات دولية باهظة التكاليف مخصصة لأبناء هذه الطبقة، تُدرس بلغات أجنبية وتفصل أبناءها عن السياق المصري منذ الطفولة، وبين تعليم حكومي منهك يعاني من الاكتظاظ ونقص الموارد ويخدم الغالبية العظمى من المصريين، وهذه الفجوة ليست مجرد تفاوت في الإمكانيات المادية، بل هي بداية انقسام حضاري وثقافي داخل الجيل الواحد، حيث ينشأ جزء من أبناء هذا الوطن وهم يشعرون بالانتماء إلى نخبة عالمية أقرب إلى دبي أو لندن منها إلى القاهرة، بينما يكبر الجزء الأكبر منهم وهو يتلمس طريقه في مدارس تفتقر لأبسط مقومات التعليم الجيد.
ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة بمعزل عن بعدها الاقتصادي الأوسع، فارتفاع أسعار العقارات في الكمباوندات والمدن الجديدة إلى مستويات خيالية لم يخلق ثروة حقيقية بقدر ما ضخم فقاعة عقارية تستنزف مدخرات الطبقة الوسطى التي تحاول محاكاة هذا النمط أو على الأقل الاقتراب منه، فتستدين وتقترض لتشتري وحدة سكنية بالتقسيط في كمباوند بعيد، ظناً منها أن ذلك سيمنحها نوعاً من الترقي الاجتماعي، بينما يعيد هذا السلوك الجماعي إنتاج نفس المنظومة التي تُثري فئة قليلة على حساب استقرار فئات أوسع، ويوجه رأس المال بعيداً عن القطاعات الإنتاجية الحقيقية كالصناعة والزراعة نحو قطاع عقاري يتضخم بلا سقف، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات التضخم العام وعلى قدرة المواطن العادي على تحمل تكاليف السكن والمعيشة الأساسية، فبينما تُبنى فيلا فارهة بملايين الجنيهات في كمباوند شبه فارغ لمعظم أيام السنة، يعجز آلاف الشباب عن تكوين أسرة أو استئجار شقة متواضعة في المدينة نفسها.
كما لا يمكن فصل صعود هذه الطبقة عن شبكة العلاقات التي تربطها في كثير من الأحيان بمراكز صنع القرار، سواء عبر صفقات أراض ميسرة أو تراخيص استثمارية سريعة أو إعفاءات ضريبية تمنح لمشروعات بعينها، وهو ما يجعل من ثروة “النيوفريش” في جزء كبير منها ثمرة قرب من السلطة لا نتاج منافسة سوقية حرة ونزيهة، وهذا القرب هو ما يفسر أيضا ثبات هذه الطبقة وتوسعها رغم كل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي أنهكت غالبية المصريين، فبينما ينهار سعر صرف الجنيه ويتآكل الدخل الحقيقي للموظف والعامل، تستمر مبيعات الوحدات السكنية الفاخرة والسيارات الفارهة في التصاعد، وكأن هناك اقتصادين منفصلين يعملان بمنطقين مختلفين تماماً، اقتصاد الغالبية الذي يصارع الغلاء يوم بيوم، واقتصاد الأقلية الذي يحول التضخم نفسه إلى فرصة استثمارية إضافية عبر المضاربة على العقار والعملة.
والنتيجة الحتمية لكل ذلك هي تعميق شعور عميق بالغبن الاجتماعي، فحين يرى المواطن العادي، الذي يعمل بجد طوال حياته دون أن يحقق استقرار حقيقي صور يومية على منصات التواصل الاجتماعي لحفلات باذخة وسيارات لا تُشترى إلا بثمن شقة كاملة، فإن ذلك لا يولد إعجاباً بقدر ما يولد مرارة وإحساساً بأن قواعد اللعبة غير عادلة من الأساس، وأن الصعود في السلم الاجتماعي لم يعد مرتبطاً بالكفاءة أو الجهد أو التعليم، بل بالحظ أو القرب أو المعرفة بالشخص المناسب، وهذا الشعور حين يتراكم عبر سنوات طويلة لا يبقى مجرد إحباط فردي عابر، بل يتحول إلى شرخ اجتماعي حقيقي بين أبناء الوطن الواحد، شرخ لا تصنعه فوارق الدخل وحدها، بل يصنعه أيضا شعور متنام بانعدام العدالة وغياب الأفق، وهو ما يهدد على المدى الطويل تماسك النسيج الاجتماعي ذاته، ويجعل من مفهوم “المواطنة المشتركة” فكرة هشة تتراجع أمام منطق الطبقات المغلقة والهويات المتصارعة.
وتلعب منصات التواصل الاجتماعي دور محوري في تضخيم هذه الظاهرة وتسريع انتشارها، فما كان في الماضي يبقى خلف أسوار البيوت أو داخل دوائر ضيقة من المعارف، أصبح اليوم يُعرض على الملأ بشكل يومي ومباشر، حيث يتحول كل حفل زفاف أو رحلة سفر أو قطعة أثاث جديدة إلى محتوى يُصمم خصيصاً لجذب الإعجاب وتحقيق الانتشار، وهو ما يخلق حلقة مفرغة من المقارنة المستمرة تدفع حتى من هم خارج هذه الطبقة إلى محاولة تقليد مظاهرها ولو على نطاق أضيق، فنجد شباب من الطبقة الوسطى يستدينون لشراء هاتف أو حقيبة تحمل شعاراً عالمياً، أو يقتصدون في احتياجاتهم الأساسية من أجل قضاء أمسية واحدة في مطعم راق يمكن التقاط صورة فيه، وهنا يتضح كيف تتحول ثقافة الاستعراض من سلوك طبقي محدود إلى نموذج ثقافي يعيد تشكيل أولويات شرائح واسعة من المجتمع، بصرف النظر عن قدرتها المادية الفعلية على مجاراته.
كما أن هذا النمط من الثراء السريع أفرز طبقة من الوسطاء والمسوقين والمروجين الذين يعيشون على هامش هذه الطبقة ويتغذون عليها، من مصممي الديكور إلى منظمي الحفلات إلى صناع المحتوى المتخصصين في “توثيق” الرفاهية، وهي مهن ازدهرت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لكنها في جوهرها مهن خدمية تدور في فلك الاستهلاك لا في فلك الإنتاج، وتساهم بدورها في ترسيخ فكرة أن الطريق الأسرع للنجاح ليس بناء مشروع صناعي أو تطوير مهارة نادرة، بل الاقتراب قدر الإمكان من دوائر المال الجديد، ولو بصفة تابع أو خادم لمتطلباته، وهذا بدوره يفرغ سوق العمل تدريجيا من الطموح نحو التخصصات الإنتاجية الحقيقية لصالح اقتصاد خدمي هش يقوم بالكامل على استمرار تدفق أموال قد تجف في أي لحظة تتغير فيها الظروف الاقتصادية أو السياسية التي أنتجتها أصلاً.
وهكذا يترك هذا الانقسام أثراً نفسياً عميقاً يتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة، فأبناء هذه الطبقة أنفسهم كثيراً ما ينشأون داخل فقاعة معزولة عن واقع بلدهم، لا يعرفون شوارعه العادية ولا يخالطون أبناءه من خلفيات مختلفة، وهو ما يحرمهم من فرصة بناء وعي اجتماعي متوازن ويجعلهم أكثر عرضة للانفصال العاطفي عن قضايا وطنهم الحقيقية، بينما يكبر في المقابل جيل كامل من أبناء الطبقات الأخرى وهو يحمل شعور مبكر بالدونية أو الإقصاء، ليس لأنه أقل قدرة أو موهبة، بل لأن قواعد اللعبة نفسها لم تُصمم لتمنحه فرصة متكافئة منذ البداية، وهذا التناقض بين جيلين يعيشان في المكان نفسه لكن في عالمين مختلفين تماماً هو ما يفسر تصاعد لغة الغضب والسخرية التي تلاحق هذه الطبقة في الخطاب الشعبي اليومي، من الأغاني الساخرة إلى المحتوى الفكاهي المنتشر على الإنترنت، وهي في جوهرها ليست مجرد نكات عابرة، بل صرخات احتجاج مبطنة على واقع يشعر فيه غالبية المصريين بأنهم يُشاهدون بلدهم يُعاد تشكيله أمام أعينهم دون أن يكون لهم فيه رأي أو نصيب حقيقي.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صعود طبقة اجتماعية جديدة تمتلك ذوق استهلاكي مختلف، بل هو إعادة تشكيل شاملة لمعنى النجاح والانتماء في مصر، حيث تحل قيمة العرض والاستعراض محل قيمة الإنتاج والعمل، وتحل عزلة الكمباوند محل حيوية الحي الشعبي، وتحل الواجهة اللامعة الخالية من الذاكرة محل عمارة تحمل تاريخ كامل من التعايش والتنوع، وما لم تتم مواجهة هذا المسار بسياسات اقتصادية أكثر عدالة، وبرقابة حقيقية على مصادر الثروة وكيفية اكتسابها، وباستثمار جاد في التعليم العام والحفاظ على التراث العمراني، فإن الفجوة بين “المدينتين” داخل المدينة الواحدة، مدينة الأسوار والحراسة الخاصة، ومدينة الزحام والانتظار الطويل، ستتحول من مجرد تفاوت اقتصادي إلى انقسام دائم يصعب رأبه، وسيظل السؤال قائماً عن أي مصر نريد أن نبنيها، مصر تتسع للجميع بذاكرتها وتنوعها، أم مصر تنقسم إلى جزر معزولة يحرسها من بالداخل ويُقصى عنها من في الخارج.





