زينب محمد الأولى على كلية الزراعة.. حين يصبح التفوق بداية لمعركة إثبات الحق

لم تكن زينب محمد تتوقع يومًا أن يغلق ستار طور سنوات دراستها الجامعية، التي أمضتها بين جنبات كلية الزراعة جامعة بنها، وهي مضطرة للدفاع عن أمر ظنت أن أوراقها الرسمية حسمته منذ البداية. فالطالبة التي تؤكد الكشوف الرسمية اعتلاءها المركز الأول على مستوى الكلية بتقدير «امتياز مع مرتبة الشرف» وGPA 3.87 في برنامج «أمن وسلامة الغذاء – Food Safety»، وجدت نفسها أمام أزمة تتجاوز مجرد فرصة تعيين؛ أزمة تمس أصل الجدارة، وتطرح سؤالاً يتوغل داخل أفئدة كل مجتهد، ماذا يعني التفوق للطالب إذا لم يجد عند لحظة التخرج الطريق الذي وُعد به وشَق لأجله الصعاب.
وقديمًا قال الشاعر في حب الوطن والمؤسسة التي ينتمي إليها الإنسان: بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ … وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ. إن تُمسك زينب بأوراقها، وتأكيدها على ترتيبها الأكاديمي لا يستند إلى أوهام أو ادعاءات، بل إلى مستندات رسمية بأختام كلية الزراعة وجامعة بنها، تشمل إخلاء الطرف وبيانات النجاح وكشوف الأوائل للبرامج العربية والإنجليزية. ومن هنا ينبع الذهول من التشكيك في روايتها؛ فإذا كانت الوثائق الرسمية بين يديها ناطقة بالحقيقة، فلماذا يُزاح النقاش عن جوهر الحق إلى مساحات الاتهام والتشكيك، ولماذا لا تُفتح الأوراق بشفافية ليُعرف المعيار الحقيقي الذي تُدار به فرص التعيين.
يزداد الأمر احتدامًا مع بدء زملاء آخرين في أقسام وبرامج مختلفة اتخاذ الخطوات الفعلية؛ حيث حضر بعضهم مجالس الأقسام وأُبلغوا باستكمال إجراءات تعيينهم مع بداية شهر أكتوبر. ولا تطرح الطالبة هذه الوقائع اعتراضًا على حق غيرها أو انتقاصًا من شأنهم، بل من باب المقارنة العادلة التي تفرض سؤال الشفافية: ما المعيار الذي يجعل باب الفرصة مفتوحًا للبعض ومغلقًا أمام الأولى على الكلية؟ وأين يتجلى مبدأ المساواة والمسافة الواحدة بين أبناء الكيان الواحد.
في المقابل، جاء رد الجامعة قائمًا على خطة مُعلنة مفادها أن الحصول على المركز الأول لا يعني التعيين التلقائي؛ فالأمر يرتبط بحسب بيانها باحتياجات الأقسام العلمية، وما تنص عليه الخطة الخمسية لتكليف المعيدين، ومدى وجود أماكن شاغرة وتخصصات مطلوبة بالفعل. وهو رد تحرص الجامعة من خلاله على إظهار التزامها بالقوانين المنظمة للجامعات والضوابط المالية والإدارية التي تحكم الجهاز الإداري للدولة.
وهنا تحديدًا يفرض المنطق نفسه بمجموعة من الأسئلة الجوهرية والردود القانونية: إذا كانت الخطة الخمسية واحتياجات الأقسام هي الحاكم الأول والأخير، فلماذا لا تُعلن الجامعات هذه الخطط بوضوح كامل للطلاب قُبيل التحاقهم بالكلية ودفعهم للمصروفات؟ كيف يُساق الطلاب بوعود شفاهية وبريق لمستقبل واعد في برامج خاصة يُدفع فيها آلاف الجنيهات، ثم يُفاجأون بعد أربع سنوات بوجود خطط مغلقة تُجهض طموحهم وتستبعد برامجهم بحجة عدم وجود تكليف؟ إن الوعود الشفاهية يسهل التنصل منها ويصعب على الطالب إثباتها عند لحظة التخرج، عكس المستندات والخطط الرسمية التي كان يجب أن تكون معلنة ومكتوبة منذ اليوم الأول.
وإذا كانت البرامج الخاصة المعتمدة لا تُتيح لأوائلها أبواب التعيين كغيرها من الأقسام، فما الآليات الحقيقية للتعيين، وما الجدوى من استنزاف الطلاب ماديًا في برامج تُسد أبوابها عند لحظة الحصاد ولعل أشد ما يُدمي القلب في هذه الأزمة هو حملات التشكيك والهجوم التي طالت الطالبة عبر المنصات الرقمية؛ حيث انبرى البعض لوصمها بالبحث عن “التريند”، ومحاولة استعطاف الرأي العام، أو افتعال أزمة إعلامية لإحراج الكلية والضغط على متخذي القرار. وهي اتهامات قاسية تتجاهل حقيقة أن الطالبة لم تخرج للرأي العام إلا بعد أن أُغلقت أمامها الأبواب المغلقة، وبعد أن وجدت تفوقها محل تشكيك وروايتها محل إنكار.
إن حق الرد والدفاع عن النفس ليس رفاهية ولا جريمة؛ وحين يُمَس اسم طالبة وسيرتها الأكاديمية وسمعتها بعد سنوات من الكد، يصبح الدفاع عن النفس واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا وإنسانيًا، إذ أن الطالبة لم تخرج لتبحث عن أضواء زائفة، بل خرجت تحمي ثمرة عرقها بأوراق رسمية تثبت صحة موقعها ومكانتها الأكاديمية، وضد محاولات التشويه التي تحاول إفراغ القضية من مضمونها العادل وتحويلها إلى مجرد “بلبلة إلكترونية”.
إن الطالبة لا تعلن الخصومة مع جامعتها، ولا تهاجم صرحًا طالما اعتزت بالانتماء إليه وتتلمذت على أيدي أساتذته الكرام؛ فالمطالبة بالحق لا تعني إعلان الحرب، والعتاب إنما يخرج من رحم المحبة والحرص على سمعة المؤسسة التعليمية التي احتضنت طموحها. ومن هذا المنطلق، واقتناعًا بأن دولة القانون هي الملجأ الآمن لكل صاحب حق، اختارت الطالبة أن تضع مستنداتها كاملة أمام القضاء ليقول كلمته الفصل بعيدًا عن القيل والقال.
تظل الأزمة في جوهرها تذكيرًا بسؤال العدالة الأزلية: إذا لم يكن التفوق والمركز الأول كافيين لفتح الأبواب، فما الذي يكفي؟ لقد أودعت الطالبة أوراقها بين يدي العدالة، وفوضت أمرها للخالق، متمسكة بآيات الله المحكمات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، ويظل الأمل موصولًا في أن تظل المؤسسات التعليمية منارات تحمي الجدارة، وتصون حقوق أبنائها، وأن ينجلي الحق أبلج بفضل الله وقوة القانون.





