سامح الشريف لـ«الحرية»: استقرار الجنيه يحتاج تدفقات دولارية مستدامة وليس تراجع الدولار فقط

قال سامح الشريف، المستشار السياسي واستشاري الاقتصاد، إن تراجع الدولار أمام الجنيه خلال تعاملات اليوم يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت السوق تشهد تحسنًا حقيقيًا ومستدامًا في توازن العرض والطلب على العملة الأجنبية، أم أن الحركة الحالية مؤقتة وتتأثر بتدفقات النقد الأجنبي وحركة رؤوس الأموال.
وأوضح الشريف أن انخفاض الدولار خلال يوم واحد لا يمكن اعتباره تحولًا نهائيًا في اتجاه سعر الصرف، لكنه في الوقت نفسه يعكس مؤشرات إيجابية لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقارنة بنحو 56.3 مليار دولار في يوليو، وهو ما يعكس تحسنًا في قدرة القطاع المصرفي على التعامل مع احتياجات النقد الأجنبي.
تحسن نسبي في سوق الصرف
وأشار المستشار سامح الشريف إلى أن المؤشرات الحالية تسمح بالقول إن هناك تحسنًا نسبيًا في توازن سوق النقد الأجنبي، لكن من المبكر اعتباره تحسنًا هيكليًا مكتملًا، خاصة أن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه طلبًا مستمرًا على الدولار لتمويل الواردات وخدمة الالتزامات الخارجية وتلبية احتياجات الشركات.
ولفت الشريف إلى أن سعر الصرف في الإطار الحالي يتأثر بتدفقات رؤوس الأموال وحركة السيولة الأجنبية، وهو ما أشار إليه صندوق النقد الدولي باعتباره أحد مصادر تقلبات سعر الصرف، مؤكدًا أن استمرار تراجع الدولار يحتاج إلى تدفقات دولارية مستدامة، وليس مجرد زيادة مؤقتة في المعروض.
مؤشرات تحدد اتجاه الدولار
وأوضح استشاري الاقتصاد أن هناك مجموعة من المؤشرات ستكون أكثر أهمية من متابعة حركة الدولار اليومية، في مقدمتها اتجاه الاحتياطيات الدولية شهرًا بعد شهر، وتحويلات المصريين بالخارج ومدى استدامة نموها، إلى جانب إيرادات السياحة وقناة السويس والصادرات.
وأضاف سامح الشريف أن الاستثمار الأجنبي المباشر والتدفقات الاستثمارية، وقدرة البنوك على تلبية طلبات الاستيراد دون تراكم ضغوط جديدة، وحركة الأموال الأجنبية في أدوات الدين والأسواق المالية، تمثل مؤشرات مهمة أيضًا، مشددًا على ضرورة متابعة الفارق بين نمو موارد الدولار ونمو الطلب عليه.
وأكد الشريف أن الأهم هو النظر إلى صافي التدفقات الدولارية ككل، وليس الاعتماد على مصدر واحد منفرد، لأن استقرار سوق الصرف يرتبط بتكامل موارد العملة الأجنبية وقدرتها على تلبية احتياجات الاقتصاد.
الاحتياطي لا يحسم أزمة السيولة
وقال المستشار سامح الشريف إن ارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى أكثر من 57 مليار دولار يمثل عامل دعم مهمًا لسوق الصرف، لكنه لا يعني بمفرده أن مشكلة السيولة الدولارية أصبحت محسومة، موضحًا أن القوة الحقيقية للسوق تظهر عندما تكون موارد الدولار المتكررة قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية للاقتصاد، مع وجود هامش أمان يسمح بالتعامل مع الصدمات الخارجية.
وفرّق الشريف بين ارتفاع الاحتياطي وزيادة التدفقات الدولارية المستدامة، موضحًا أن الاحتياطي يوفر قدرة على امتصاص الصدمات، بينما تمثل التدفقات المستمرة العامل الأهم في دعم استقرار سعر الصرف على المدى الأطول.
الصناعة والاستيراد أبرز المستفيدين
وحول انعكاسات استمرار تراجع الدولار، أوضح سامح الشريف أنه إذا استمر انخفاض العملة الأمريكية بصورة مستقرة وليس مؤقتة، فمن المتوقع أن تظهر آثاره تدريجيًا في عدد من القطاعات، وفي مقدمتها الصناعة التي قد تستفيد من انخفاض تكلفة مدخلات الإنتاج المستوردة، خاصة الصناعات التي تعتمد على مكونات أو خامات من الخارج.
وأشار الشريف إلى أن الاستيراد يستفيد بصورة مباشرة من انخفاض تكلفة الدولار، لكن انعكاس ذلك على الأسعار المحلية لا يحدث بصورة آلية، إذ يرتبط أيضًا بتكاليف النقل والطاقة وهوامش الربح والأسعار العالمية.
وأضاف المستشار الاقتصادي أن السلع الأساسية يمكن أن تستفيد بصورة غير مباشرة من تراجع الدولار إذا كانت نسبة مهمة من مدخلاتها أو تكاليف إنتاجها مرتبطة بالعملة الأجنبية، إلا أن انتقال أثر سعر الصرف إلى المستهلك يحتاج إلى وقت.
التدفقات المستدامة تحسم قوة الجنيه
وأكد سامح الشريف أن تراجع الدولار يمثل إشارة إيجابية للسوق، لكنه لا يكفي وحده للتدليل على انتهاء ضغوط سوق الصرف، موضحًا أن الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة يتمثل في قدرة الاقتصاد على تحويل التحسن في السيولة والاحتياطيات إلى تدفقات دولارية مستدامة.
وأشار الشريف إلى أن زيادة الإنتاج والصادرات وتحسين قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي من موارده الذاتية تمثل عوامل أساسية لدعم استقرار الجنيه، موضحًا أن قوة العملة المحلية لا تتحدد بانخفاض الدولار خلال يوم أو أسبوع، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحقيق توازن مستدام بين موارد الدولار واحتياجاته.
واختتم المستشار السياسي واستشاري الاقتصاد بالتأكيد على أن استقرار الجنيه يرتبط بمعادلة أكثر عمقًا، تتمثل في قدرة الاقتصاد على تحقيق تدفقات دولارية مستمرة تفوق أو تغطي احتياجاته من العملة الأجنبية، موضحًا أن استقرار هذا التوازن هو ما يحول تراجع الدولار من مجرد حركة مؤقتة في السوق إلى تحسن أكثر استدامة في قوة الجنيه وقدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
اقرأ أيضا.. خالد الشافعي لـ«الحرية»: 3 عوامل تدعم تراجع الدولار أمام الجنيه خلال الفترة المقبلة






