«الهوية الوطنية».. وعي بالجذور ومواجهة لتحديات العصر

في لحظة تتسارع فيها التحولات الرقمية وتتداخل الحدود الثقافية بفعل العولمة، لم يعد الحفاظ على الخصوصية الحضارية مجرد ارتباط بالماضي، وإنما بات قضية ترتبط بقدرة المجتمعات على حماية وعيها الجمعي والحفاظ على ملامح شخصيتها الوطنية، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ظل تنامي تأثير المنصات الرقمية وتدفق المحتوى العابر للحدود.
ومن هذا المنظور، تأتي استضافة مكتبة الإسكندرية للمؤتمر الموسع «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، الذي انطلقت فعالياته اليوم /الاثنين/ تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة مكتبة الإسكندرية ووزارات الثقافة، والتعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، ليفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل الهوية المصرية وسبل الحفاظ على مقوماتها في ظل المتغيرات المتسارعة.
وتكتسب قضية الهوية الوطنية أبعادًا متعددة في عالم تتداخل فيه وسائل التأثير وتتجاوز فيه الرسائل الثقافية والإعلامية الحدود الجغرافية، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض أو أدوات القوة التقليدية، وإنما امتد إلى العقول والذاكرة والوعي، وأصبحت المنصات الرقمية ووسائل الإعلام وصناعة المحتوى من أبرز ساحات هذا التفاعل.
وفي الحالة المصرية، تستند الهوية الوطنية إلى امتداد تاريخي وحضاري وثقافي تشكل عبر آلاف السنين، بما يمنح الأجيال الجديدة مرجعية تساعدها على فهم حاضرها والتفاعل مع العالم من موقعها الحضاري، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية دون أن يعني ذلك الانغلاق أو الانكفاء على الذات.
وتحمل استضافة الإسكندرية للمؤتمر دلالة تتجاوز المكان، فالمدينة التي ارتبط تاريخها بالتواصل بين حضارات البحر المتوسط والتعدد والتفاعل الثقافي، تقدم نموذجًا للانفتاح الذي يمكن أن يتعايش مع الحفاظ على الخصوصية، وهو ما يتسق مع فكرة المؤتمر في البحث عن رؤية متجددة للهوية المصرية تتفاعل مع متطلبات العصر دون التخلي عن جذورها.
ويعكس البوستر الرسمي للمؤتمر هذه الفكرة من خلال الجمع بين خريطة مصر وعدد من رموزها التراثية والتاريخية، ومنها الأهرامات والفن الإسلامي والمسيحي والمعالم الساحلية كقلعة قايتباي ومكتبة الإسكندرية، إلى جانب وجوه مصرية متنوعة ومعاصرة، في إشارة إلى استمرارية الشخصية المصرية وتنوع روافدها عبر العصور.
وعلى مدار ثلاثة أيام، يناقش المؤتمر عددًا من القضايا المرتبطة بالهوية المصرية، والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، والخطاب الثقافي، والتراث، والتعليم، والفنون، والأسرة، بمشاركة مسؤولين وخبراء وأكاديميين ومثقفين وشباب، في محاولة لبحث التحديات التي تواجه ترسيخ قيم الهوية، والوسائل التي يمكن من خلالها تعزيزها لدى الأجيال الجديدة.
وتبرز مشاركة الشباب في المؤتمر باعتبارهم الطرف الأكثر تعرضًا لتأثيرات التحولات الرقمية والثقافية، وفي الوقت نفسه الأكثر قدرة على تشكيل مستقبل الخطاب المتعلق بالهوية، وهو ما يجعل إشراكهم في النقاش جزءًا أساسيًا من أي رؤية تستهدف بناء وعي وطني متجدد.
واختتمت الجلسة الافتتاحية بعرض تسجيلي لفيلم «الهوية المصرية: جذور راسخة ورؤية متجددة»، من إنتاج مكتبة الإسكندرية، والذي تناول تاريخ الهوية المصرية عبر العصور، وعناصرها القائمة على منظومة متراكمة من التاريخ واللغة والثقافة والدين والتراث والفنون والعادات والتقاليد والذاكرة الوطنية، إلى جانب المكان والجغرافيا والتنوع المجتمعي، بما يعكس هوية مركبة تشكلت عبر آلاف السنين واستوعبت روافد حضارية متعددة دون أن تفقد خصوصيتها المصرية.






