أخبار عاجلة

كريم الشاعر يكتب: لو معاك فلوس.. تعيش أحسن

الصحة والتعليم في مصر بين الحق المجاني والخدمة اللي بيدفع تمنها المواطن
في مصر، ممكن تكون فقير وتعيش… لكن حاول ما تمرضش، وحاول ابنك ما يحتاجش تعليم زيادة.
الجملة قاسية، ويمكن ناس كتير ترفضها من أول سطر.
لكن لو بصينا حواليّنا، هنكتشف إن الفقر النهارده مش معناه بس إنك مش قادر تشتري عربية، أو تسكن في شقة أوسع، أو تخرج تتفسح وقت ما تحب.
الفقر ممكن يحطك قدام أسئلة أخطر بكتير:
لو مرضت.. هتتعالج إزاي؟
لو ابنك عايز يتعلم كويس.. هتقدر تدفع كام؟
هنا الحكاية بتتغير.
لأننا مش بنتكلم عن رفاهية.
إحنا بنتكلم عن الصحة والتعليم.
حاجتين المفروض إنهم من أبسط حقوق الإنسان، بغض النظر عن حجم المرتب اللي في جيبه.
لما المرض يبقى أغلى من قدرة الأسرة
من أكتر الحكايات اللي ممكن تخليك تسكت شوية قبل ما تكمل قراءة، حكاية طفل اسمه علي.
في أغسطس 2025، ظهر والده الدكتور معتز نوارة في استغاثة لإنقاذ ابنه المصاب بضمور العضلات الشوكي.
علي كان محتاج علاجًا وصلت تكلفته إلى حوالي 106 مليون جنيه.
ايوه 106 مليون جنيه.
دول مش تمن عملية تجميل.
ولا تمن شقة.
ولا تمن مشروع.
دول حق علاج طفل، المفروض ان حياته مسئوله من الدوله.
أب بيحاول ينقذ ابنه، لكن قدامه رقم أكبر من قدرة أي أسرة عادية تقريبًا.
القصة انتهت بجمع المبلغ من خلال التبرعات، ونجاح حملة إنقاذ الطفل، بحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية عن الأسرة.
لكن قبل ما نفرح بنهاية القصة، فيه سؤال لازم نسأله لنفسنا وكمان القائمين على إدارة شئون البلاد لازم يسألوه لنفسهم:
لو ماكانش فيه تبرعات.. كان الأب هيجيب الـ106 مليون منين؟
بس هنا لازم نكون منصفين.
المشكلة مش إن الدولة ما عندهاش علاج مجاني.
مصر عندها بالفعل منظومة للعلاج على نفقة الدولة، ووزارة الصحة أعلنت أن ملايين المواطنين استفادوا من قرارات العلاج على نفقة الدولة خلال السنوات الأخيرة.
يعني الصورة مش أبيض وأسود.
فيه دولة بتقدم علاج مجاني أو مدعوم لملايين المواطنين، وفيه أطباء بيشتغلوا في ظروف صعبة، وفيه مستشفيات وخدمات علاجية حكومية بتخدم أعداد ضخمة كل يوم.
لكن في نفس الوقت، فيه أمراض نادرة وعلاجات شديدة الارتفاع في التكلفة، وفيه حالات بتحتاج تدخل سريع ، وفيه أسر بتدخل في رحلة طويلة من الاستغاثات والتبرعات.
هنا بقى بيظهر السؤال الحقيقي:
هل مجرد وجود العلاج على الورق معناه إن كل مواطن، مهما كان دخله، عنده نفس القدرة على الوصول للعلاج في الوقت المناسب؟
الصغير علي مكانش الحالة الوحيدة
بعدها ظهرت قصة طفل تاني اسمه يونس.
يونس كان مصاب بضمور العضلات، واخواته الاتنين كمان كانا مصابين بالمرض نفسه، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عن أسرته.
لكن يونس كان لسه عنده فرصة للعلاج.
المشكلة؟
الفرصة كان تمنها حوالي 13 مليون جنيه.
أسرة يونس دخلت في سباق مع الوقت، وأطلقت حملة لجمع المبلغ، قبل أن تعلن اكتماله من خلال التبرعات.
فكر فيها كده:
أسرة عندها طفل محتاج علاج.
الطفل عنده فرصة.
العلاج موجود.
لكن ثمن العلاج 13 مليون جنيه.
هنا الفقر مش معناه إن الأسرة مش قادرة تشتري احتياجاتها.
هنا الفقر ممكن يبقى معناه إن الأسرة مش قادرة تشتري الوقت.
والوقت، في بعض الأمراض، هو الفرق بين إنقاذ طفل وضياع فرصة علاجه.
طيب..تعالى بقى نسيب المرض ونروح للتعليم
هنا الفاتورة أقل بكثير.
لكنها فاتورة بتتكرر كل شهر.
وكل أسرة عندها أولاد في التعليم عارفاها.
ابنك بيروح المدرسة.
يرجع البيت.
وبعدها تبدأ رحلة تانية:
درس.
كتاب خارجي.
سنتر.
مراجعة.
ملازم.
وممكن كمان مدرس خصوصي.
وبعدين امتحانات ومراجعات نهائية.
وفجأة تكتشف إن مصاريف تعليم ابنك مش هي المصاريف اللي بتدفعها للمدرسة.
دي فاتورة تانية ماشية جنبها.
الطالب اللي عنده فلوس.. والطالب اللي معهوش
في تحقيقات صحفية حديثة، تحدث طلاب وأولياء أمور عن اعتمادهم على الدروس الخصوصية، رغم ارتفاع أسعارها.
وفي أغسطس 2026، نقل تقرير لـ«مصراوي» عن العاملين في مجال الدروس الخصوصية أن أسعار الحصة قد تتراوح، حسب المرحلة وطريقة الدرس وعدد الطلاب، من عشرات الجنيهات إلى مئات الجنيهات.
لو بصيت للرقم منفردًا، ممكن تقول:
“يعني إيه 50 أو 80 جنيه؟”
لكن تعالى نحسبها مع بعض.
مادة.
واتنين.
وتلاتة.
وأربعة.
كل أسبوع.
طول الشهر.
وبعدين كتب.
ومواصلات.
ومصاريف مدرسة.
ومصاريف البيت.
وفواتير.
وأكل.
ودواء.
هنا الـ50 جنيه مش 50 جنيه.
هنا الـ50 جنيه جزء من فاتورة أكبر بكتير.
وفجأة، الأسرة محدودة الدخل تلاقي نفسها قدام اختيار صعب:
تدفع للدرس؟
ولا توفر فلوس الدواء؟
تشتري الكتاب الخارجي؟
ولا تسدد جزء من الإيجار؟
تدفع للسنتر؟
ولا تستنى المرتب الجاي؟
مش كل مدرسة وحشة.. ومش كل مدرس بيدي درس
ودي نقطة مهمة جدًا لو عايزين نتكلم بصدق.
مش معنى الكلام ده إن كل مدرسة حكومية سيئة.
ولا إن كل مدرس مقصر.
ولا إن الدولة مش بتعمل أي حاجة.
بالعكس.
فيه مدرسين بيشتغلوا بإخلاص شديد، وفيه مدارس فيها نماذج محترمة، وفيه محاولات لتطوير المناهج ونظام التقييم والحضور، ومواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية.
لكن برضه، استمرار اعتماد الأسر والطلاب على الدروس الخصوصية بيقول إن فيه فجوة بين التعليم اللي بيقدمه النظام التعليمي وبين التعليم اللي شايفين إنهم محتاجينه عشان يقدروا ينافسوا.
وهنا السؤال مش:
“مين غلطان؟”
السؤال الأهم:
ليه الأسرة مضطرة تدفع مرة تانية عشان تطمن إن ابنها اتعلم؟
المشكلة مش إن اللي معاه فلوس يعيش أحسن
طبيعي إن الإنسان اللي معاه فلوس يعيش براحة أكبر.
دي مش المشكلة.
اللي معاه فلوس ممكن يسكن أحسن.
يركب عربية أحسن.
يسافر.
يشتري حاجات أغلى.
دي رفاهيات.
لكن فيه فرق كبير بين إن الفلوس تشتري لك رفاهية…
وإن الفلوس تشتري لك فرصة.
لما الغني يقدر يروح لطبيب متخصص فورًا، ويعمل كل الفحوصات المطلوبة، ويتابع علاجه في أفضل مكان يقدر عليه، في حين ان المواطن محدود الدخل بيأجل الكشف أو التحليل لأنه مش قادر يدفع.
لما طالبين يكونوا بنفس الذكاء والطموح، لكن واحد عنده مدرس خاص في كل مادة، وكتب ومنصات ومراجعات، والتاني بيذاكر لوحده لأنه ببساطة أبوه مش قادر يدفع.
هنا الموضوع مايبقاش مجرد فرق في مستوى المعيشة.
هنا بنتكلم عن فرق في الفرص.
الفقر مش لازم يبقى حكم على المستقبل
يمكن دي أهم نقطة في الحكاية كلها.
محدش بيطلب إن الفقير يعيش زي الغني.
ولا إن كل الخدمات الخاصة تبقى مجانية.
ولا إن الدولة تتحمل كل مصروف في حياة المواطن.
المطلوب أبسط من كده.
إن الفقر مايبقاش سبب في إن إنسان يحصل على علاج أقل من احتياجه.
وإن طفل موهوب مايبقاش مستقبله مرهون بقدرة والده على دفع ثمن الدروس.
إن الأسرة لما يكون عندها مريض، تعرف تروح فين، وإيه حقها، وإزاي تحصل عليه بسرعة.
وإن الطالب اللي أبوه مش قادر يدفع آلاف الجنيهات كل شهر، يفضل عنده فرصة حقيقية ينافس الطالب اللي أسرته قادرة على الدفع.
أخطر حاجة في الفقر مش قلة الفلوس
أخطر حاجة إن الإنسان يبدأ يحس إن الفرصة نفسها مش بتاعته.
إن النجاح للّي يقدر يدفع.
والعلاج الأفضل للّي يقدر يدفع.
والتعليم الأفضل للّي يقدر يدفع.
وساعتها المجتمع يبدأ ينقسم، مش بس بين غني وفقير.
لكن بين:
واحد يملك القدرة على شراء الفرصة…
وواحد يملك فقط القدرة على الحلم بيها.
ودي مشكلة أكبر من فرق المرتبات.
لأن المرتب ممكن يزيد.
والظروف ممكن تتغير.
لكن فيه حاجات لما وقتها يعدي، مش دايمًا بتتصلح.
طفل فقد فرصة علاج في الوقت المناسب.
أو طالب ضاعت منه فرصة تعليم كان ممكن تغير حياته.
وفي الآخر…
يمكن عنوان المقال يبدو مستفزًا:
“لو معاك فلوس.. تعيش أحسن.”
لكن أنا مش بسأل:
هل الغني بيعيش أحسن من الفقير؟
الإجابة واضحة.
أنا بسأل سؤال أصعب:
قد إيه الفلوس بتفرق في مصر بين إنك تعيش مرتاح… وإنك تملك فرصة حقيقية للحياة؟
لأننا لما نتكلم عن عربية أو بيت أو مصيف، ممكن نقول إن دي رفاهية.
لكن لما نتكلم عن:
صحة طفل.
تعليم طفل.
علاج مريض.
مستقبل أسرة.
الموضوع بيتغير.
الصحة والتعليم مش المفروض يكونوا امتياز للي يقدر يدفع.
ومش المفروض إن الفقر يتحول إلى عقوبة تمتد من الأب إلى ابنه.
يمكن مشكلتنا الحقيقية مش إن فيه ناس معاها فلوس وناس لأ.
دي طبيعة أي مجتمع.
المشكلة إننا لازم نسأل نفسنا باستمرار:
هل المواطن اللي معهوش فلوس، لسه عنده فرصة عادلة؟
فرصة إنه يتعالج.
فرصة إن ابنه يتعلم.
فرصة إنه يطلع من دايرة الفقر بدل ما يورثها لابنه.
لإن البلد اللي الفقير فيها يقدر يحلم بس، والغني يقدر يشتري الفرصة… محتاجة تسأل نفسها: إحنا بنبني مستقبل مين؟

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى